نشرت هذه المقالة بتاريخ 15 نوفمبر 2020 إثر حملة “الأقصر” التي شنها أمن الدولة النمساوي وطالت عشرات الأفراد وعدة مؤسسات ممن عدّهم أمن الدولة النمساوي من أنصار حركة الإخوان المسلمين أو المحسوبين عما وصفه بالإسلام السياسي. نعيد نشر هذه المقالة في موقعنا هذا، للتوثيق، وللراهنية.
>
انجلى غبار الاعتداء الإرهابي البشع الذي شهدته فيينا عشية الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عن ما يبدو أنه تقصير مخيف وقعت به القوى الأمنية النمساوية بتجاهلها تحذيرات جلية وصلتها من زملائها السلوفاكيين كان من الممكن أن تمنع وقوع الاعتداء، هذا التقصير وضع الحكومة ووزير داخليتها تحت ضغط ومساءلة ، ويبدو أنه لعب دورا في قرار إطلاق حملة المداهمات التي أطلقها وزير الداخلية ليلة التاسع من نوفمبر تحت شعار “ضرب جذور الإسلام السياسي”، وهي ترمي إلى تجريم المعتقد بحد ذاته.
خطاب رئيس الحكومة كورتس عشية الاعتداء والخطابات الحكومية التي تلته، وكذلك حزمة الاجراءات التي أعلنت عنها الحكومة، ركّزت على موضوع محاربة الاسلام السياسي بكونه فكرا ومنظورا سياسيا واجتماعيا، وتجريمه ضمنا دون تمييز بين المنظمات المسلحة ذات الطابع الصدامي وتلك ذات الطابع الاجتماعي أو الدعوي أو السياسي السلمي عبر جعله مسؤولا عن كل الأعمال الإرهابية ذات الدافع الإسلامي، ومحاولة سحب هذا التجريم على رفض الكيان الصهيوني وعلى المواقف المؤيدة للمقاومة الفلسطينية، وهذا الاتجاه نلحظه في الأسئلة التي تتعلق بالمعتقد التي وجهت لمن حقق معهم والتي تمزج بين سبر الموقف من الخلافة الإسلامية وبين الموقف من الدولة الصهيونية وتخلط كلاهما بمسائل تتعلق بموقف الفقه التقليدي من الحداثة الأوروبية واستعداد الشخص للتخلي عنها لصالح تقبل قيم الحداثة كما يروهنها. إلى جانب هذه الأسئلة التي قمنا بنشرها، يظهر الموقف المسيّس والمنحاز بلا لبس لنظام السيسي وللكيان الصهيوني في ما وصلنا من أوراق القضايا، ومنها ورقة الادعاء الأولية المبنية عليها حملة المداهمات، والتي تكاد تكون مسيسة بالكامل وتكرارا لما يكرره إعلام النظام المصري مضافا إليه ما يكرره عتاة الصهاينة، ولا تخفي انحيازها لمطالب النظامين السيسي والصهيوني الأمنية.
ورقة إذن مصادرة (تحفظ على أدلة) صادرة عن أمن الدولة في شتايرمارك تتألف من 48 صفحة يشكل الجزء الأكبر منها عرضا تاريخيا أحادي الجانب عن حركة الإخوان المسلمين، يهمل التنوع والتطور التاريخي في مواقف الحركة وفي خطابها، يبدأ بحسن البنا محاولا ربط تأسيسها منذ البداية بالفاشية الإيطالية قبل أن يعرج على التحالف بين المفتي أمين الحسيني والنازية محاولا تضخيم عقائدية هذا التحالف، ويجهد العرض في التأكيد على طابع عنفي للحركة ذاكرا اغتيال النقراشي (عام 48!) ومحاولة اغتيال عبد الناصر(1954!) ومن ثم اغتيال السادات، حيث يحاول ايجاد رابط بين الجماعات الجهادية المسلحة خارج الإخوان بالحركة “الأم”.
يجهد من وضعوا هذه الورقة في تصوير حركة الإخوان المسلمين كحركة دينية متطرفة فاشية الطابع، معادية للسامية حتى النخاع، تعمل على إنشاء دولة للخلافة عاصمتها القدس، ومعادية للديمقراطيات الكفرية في الغرب. تتجاهل أوراق الاتهام بالطبع عقودا من العلاقات التي ربطت بين دول غربية وبين حركات الإسلامية في التحالف ضد الشيوعية وضد النظم القومية العربية، والدور الذي لعبته دول أوروبا طيلة عقود كملجأ وكنقطة ارتكاز للإخوان الهاربين من بطشها.
نص الادعاء السياسي بامتياز يعترف بكون الرئيس الراحل محمد مرسي منتخبا بشكل ديمقراطي، إلا أنه يبرر ضمنيا الانقلاب العسكري الذي نفذه السيسي بسوء اداء حكومة مرسي وبمحاولته “تجمع مزيد من السلطة في يد الإخوان”، متجاهلا طبيعة نظام السيسي الدكتاتورية العسكرية التي جمعت في يد السيسي ما لم يحلم به أعتى الطغاة الذين حكموا مصر والجوار. الأخطر هو أن هذه الورقة تتجاهل تماما إرهاب الدولة الذي يمارسه النظام المصري، وحال القضاء المصري في عهد السيسي والمحاكمات الهزلية التي تلت انقلابه، ويتخذ محاكمات الإخوان وتجريمهم في مصر مدخلا قانونيا إلى تجريمهم في النمسا!
محور التجريم الثاني هو الربط بين الإخوان وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والذي أعلن عنه وزير الداخلية في بيانه الأول عن الحملة. ففي حين يفتقر تجريم الإخوان المسلمين على أرضية الإرهاب إلى المسوغات القانونية والأدلة، فإن حركة حماس (ومعها معظم الفصائل الفلسطينية وعدد من المنظمات الثورية التركية والكردية) موضوعة على قائمة الإرهاب الأوروبية، وهذا قد يضفي أرضية قانونية ما على مصادرة الأموال، وعليه تبذل ورقة الادعاء جهدا في ربط الإخوان بحماس، وتواصل العرض التاريخي الأحادي المتحيز والذي لا يختلف عما تقدمه الرواية الصهيونية، وتتناول الحركة كمنظمة تريد القضاء على اسرائيل (على الرغم من ادعائها القبول بدولة في حدود 67)، معددة لسلسلة من العمليات التي نفذتها الحركة ضد الكيان الصهيوني. تتناول بعض الفقرات سيطرة حماس على غزة حيث “فاقمت” من سوء الأوضاع الإنسانية والحقوقية (!). الطريف في النص أنه يتحدث عن مشاركة حماس في انتخابات 2006 كوسيلة لتشريع سيطرتها المسلحة على غزة، والتي وقعت بعد عام كامل في 2007!
لا تتجاهل الورقة سياق عمل الحركة المسلح في فلسطين والمنفصل نسبيا عن علاقات الإخوان المتنوعة بالسلطات في بلدان الجوار فحسب، بل تقدم حركة حماس كعنصر محوري في استراتيجية الاخوان العالمية، كما تفرد الورقة مساحة كبيرة للحديث عن القرضاوي بصفته أيديولوجي الجماعة الأهم، وتركز على بعض أقواله التي يستنبط منها معاداة السامية وتأييد ما فعله هتلر كعقاب رباني..
تنتقل الورقة بعدها إلى تناول المنظمات القريبة من الإخوان في أوروبا وفي النمسا، محاولة الربط بينها وبين أشخاص وأحداث وقعت قبل أعوام، علما بأن عددا من كان قريبا جدا من الحزب الاشتراكي الذي كان حاكما إلى أن غادر السلطة قبل أربعة أعوام، ولعبت دورا هاما في حشد أصوات المسلمين لذلك الحزب وطالما انتقدناها نحن لمهادنتها ولدورها في كبح جماح احتجاجات الجالية المسلمة في الأحداث الكبرى (فلسطين، العراق..)..
المقلق هو أن هذا الخطاب المستنسخ عن الهراء الذي تقدمه روياتا النظامين السيسي والصهيوني، والذان يحاولان بشكل بائس معرفيا جعل الإخوان وحماس أصل الشرور ومصدر كل العنف السياسي المرتبط بالدين في العالم، هو ما تتخذ به حكومة كورتس وأجهزتها التنفيذية أساسا لحملتها على الإسلام السياسي ولحزمة ممارساتها الجديدة التي تفرد مساحة كبيرة لمن تسميهم بالخبراء للحكم، خارج أروقة القضاء، على الأشخاص والجمعيات والمواقف والأدبيات بالإرهاب وبدعمه، لتتخذ الأجهزة التنفيذية اجراءات ضدهم دون الرجوع إلى حكم قضائي، وهذا يعني حرمانهم من الدفاع عن أنفسهم قانونيا ضد عسف الدولة.
إن هذه الممارسات التي تستهدف الجزء المعتدل واللاعنفي من الحركات الإسلامية، وتلاحق المعتقد وتساوي بين الكلمة وبين الرصاصة، لا يمكن ان تخدم مكافحة التطرف أو درء خطر العنف، بل وتشهد معظم التجارب في العالم العربي والإسلامي أنها تقود إلى نتائج عكسية تماما.
إن مرور هذه الإجراءات بدون معارضة تذكر، لا من طرف الأحزاب ولا من طرف منظمات المجتمع المدني المسلمة وغير المسلمة، قد يكون فاتحة لعهد جديد يتم فيه إلغاء الحريات وتجويف دولة القانون التي يدعي كورتس ورهطه الدفاع عنها.
لا للملاحقات الجائرة ضد المسلمين!
لا لقمع الأفكار!
لا للإرهاب! لا لإرهاب الدولة!
نعم للحوار المجتمعي على أرضية المساواة واحترام الحقوق!
يسقط نظام السيسي الدكتاتوري العميل! تسقط الصهيونية!
الحرية لفلسطين! الحرية لمصر!
نادي فلسطين العربي APC