ونحن على مشارف ذكرى النكبة السابعة والسبعين، التي اقتلعت ما يقارب المليون فلسطيني من أرضهم لإقامة الدولة الصهيونية، ووسط حرب الإبادة التي يشنها العدو على كياننا ووجودنا الجماعي، تطالعنا هنا فعاليات للتطبيع الثقافي والسياسي تغسل وجه الاحتلال، وتخون الدم الفلسطيني، وتميع القضية الوطنية في محاولة بائسة لتصويرها كمأساة “إنسانية متبادلة”، ليُقتل الفلسطيني مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالكذب.
مثال على ذلك في فيينا دعوة لعرض عنوانه “20 عاما من التذكار الإسرائيلي الفلسطيني المشترك”، يشارك فيها عرب وإسرائيليون، محتواه الحداد المشترك على ضحايا العنف، و”المقاومة والتضامن في وجه الاحتلال المتواصل واللاعدالة المنهجية”. بيان الدعوة الصادر عن منظمة “نقف معا” التي تجمع بين ناشطين عرب وإسرائيليين، يستدرك في فقرته الثانية ما هو واضح جلي في محتوى مثل هذه النشاطات، ليشير إلى أن “هذا الفضاء” لا يسعى إلى المساواة بين الضحايا، ويستطرد متحدثا عن الأمل والإنسانية المشتركة ومد الجسور، وما يحتويه في العادة خطاب التطبيع المعروف.
ليست هذه أول مرة ينظم فيها هذا التجمع فعاليات هي في ظاهرها مناوئة للحرب والاحتلال، وفي محتواها تطبيع وعمل مشترك بين عرب وإسرائيليين صهاينة، فحواها التبرؤ من برنامج المقاومة وسرديتها ومحرماتها على الجانب العربي، ونقد إسرائيل الحالية والعمل من أجل إسرائيل أفضل على الجانب الصهيوني.
وإن كان هذ النوع من النشاطات هو في الواقع على هامش الحراك المتعلق في القضية الفلسطينية، وكان من الممكن تجاهله في ظل سلم الأولويات الذي فرضته حرب الإبادة على غزة، فالجديد هو مساهمة فنانين فلسطينيين في هذه الفعاليات وقبول مراكز ثقافية ومعارض يديرها عرب أن تجري مثل هذه الفعاليات في قاعاتها، وهي قاعات يتردد عليها ناشطون وفنانون فلسطينيون وعرب ومتضامون ويقيمون فيها فعاليات ومعارض تتناول القضية الفلسطينية، وهذا يتطلب منا نقف عند هذا الموضوع في رسالة إلى أبناء جاليتنا العربية والفلسطينية ومنظماتها والقائمين على ما يمكن وصفه ببناها التحتية، لنوضح ما يلي.
ندعو المنظمات العربية والفلسطينية في فيينا إلى عقد لقاء عاجل لمناقشة موضوع التطبيع مع العدو ووضع ضوابط ومعايير مشتركة على أرضية وطنية تلزم الجميع وتخاطب بها قوى التضامن في البلد، لكي لا يتحول التضامن والفن إلى مدخل للتطبيع والعبث بالثوابت.
نادي فلسطين العربي، فيينا، 29 أبريل 2025
منظمة “نقف معا” هي مجموعة من العرب والإسرائيليين من اليسار الصهيوني، الذين لم يتخذوا موقفا رافضا لا تجاه الصهيونية نفسها ولا لدولتها ولا لسرديتها للصراع، خدموا ويخدمون في الجيش الصهيوني، وإن انتقدوا سياسات حكومتهم الحالية ومالوا إلى وقف الحرب والحل السلمي والبحث عن وسيلة تعايش مع الفلسطينيين. التعامل مع الإسرائيليين الصهاينة، يمينهم ويسارهم، هو تطبيع يضرب الثوابت الوطنية ويجلب نتائج عكسية، بخلق وهم بوجود معارضة إسرائيلية حقيقية أو إسرائيل أخرى ممكنة، أو بالتنصل من المقاومة الفلسطينية وإدانتها، أو من جانب المساواة بين ضحايا الصهيونية وخسائرها.
حتى طرح هؤلاء “الدولة الواحدة” في فلسطين المحتلة لا يقدم جديدا في الموقف من العقيدة الصهيونية ودولتها، بل ينادي بتحويلها إلى “دولة جميع مواطنيها”، في سياق لا يتهرب من المراجعة التاريخية للصهيونية وإدانتها فحسب، بل يتجاوز أيضا حق عودة فلسطينيي الشتات الذين يشكلون غالبية الشعب الفلسطيني.
نشاطات شخصيات محورية من القائمين على هذه المجموعة تضمنت منذ أعوام وقبل حرب غزة الأخيرة استدراج فنانين عرب إلى أعمال ومعارض مشتركة مع إسرائيليين تحت عناوين الفن والإنسانية، في استغلال لحالة العوز التي يواجهها هؤلاء، أمام المؤسسات الثقافية النمساوية التي لا تفتح أذرعها وخزائنها في الغالب إلا لمن يقبل بالتطبيع. وقد دعى حتى فرع منظمة بي دي إس في النمسا إلى مقاطعة هذه المجموعة وفعالياتها.
مكان الفعالية في حي فيينا الخامس هو مركز ثقافي وقاعة عرض يتردد عليها فنانون وناشطون عرب وفلسطينيون ويقيمون فيها فعاليات ومعارض، وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة تردد إسرائيليين على المكان ومحاولتهم التقارب مع الحضور. إن احتضان هذا المكان لفعاليات التطبيع سيكون مصدر لبس وتلويث للفنانين والناشطين الفلسطينيين الذين تعاملوا ويتعاملون مع المكان.
إننا إذ ندعو إلى مقاطعة هذا النوع من الفعاليات، فإننا نناشد أصحاب هذه القاعات الامتناع عن تقديم المكان لفعاليات التطبيع هذه، وننادي الناشطين والفنانين إلى الانضمام الى هذه الدعوة ومخاطبة القائمين على المكان، والابتعاد بأعمالهم عن هذه الأماكن إذا تحولت إلى أوكار للتطبيع.
نادي فلسطين العربي جمعية في فيينا تعنى بالشأن العربي وتنادي بوحدة المنطقة العربية وإزالة آثار الاستعمار