في ظل تواصل العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، وازدياد الحصار الخانق الذي فرضه على القطاع شراسة وإجراما، اصبح القطاع يشهد كارثة انسانية تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان، وترقى لعملية إبادة جماعية تُمارَس فيها أبشع أشكال التجويع الممنهج والتطهير العرقي.
إنّ الحصار المفروض على غزة منذ سنوات، والذي اشتدّ في أعقاب العدوان العسكري الأخير، أدى إلى انهيار المنظومة الصحية، وتوقّف الإمدادات الغذائية، ونفاد المياه النظيفة والأدوية. وقد أكّدت تقارير أممية وحقوقية أن المجاعة باتت واقعًا يوميًّا، حيث يعاني الأطفال من سوء تغذية حاد، وتُسجّل حالات وفاة نتيجة الجوع والحرمان الطبي، لا سيّما في المناطق المحاصرة شمال القطاع.
نحن أمام جريمة حرب كبرى، وعملية إبادة أفقدت المواثيق الدولية معناها، وفي مقدّمتها اتفاقيات جنيف والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ لا يرقى التحرك الدولي إلى الآن إلى مستوى الإدانة الكافية لاستخدام التجويع سلاحًا ضد المدنيين، ولا إلى مستوى التحرك الجدي لوقف الكارثة الإنسانية.
إننا ندين الموقف الأوروبي الرسمي الذي لا يزال عاجزًا عن اتخاذ إجراءات جادة لكبح العدوان، رغم وضوح الجرائم المرتكبة في غزة، بل وتواصل بعض دوله دعمها لدولة الاحتلال وتعمق شراكتها الاستراتيجية معها. فالتقارير تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يُعدّ الشريك التجاري الأول لإسرائيل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من 46 مليار يورو في عام 2023، فيما لا تزال اتفاقية الشراكة الموقّعة عام 2000 قائمة، وتوفّر امتيازات اقتصادية كبيرة لإسرائيل، دون أي التزام فعلي باحترام بند حقوق الإنسان المنصوص عليه في الاتفاقية نفسها.
إنّ الاستمرار في هذا النهج المنحاز للاحتلال يعد شراكة في الجريمة، وتناقضًا صارخًا مع القيم التي يُفترض أن تدافع عنها هذه الدول. وعليه، فإننا نطالب باتخاذ موقف أخلاقي واضح يتمثّل في مقاطعة الكيان الصهيوني سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وأكاديميًا، والوقوف إلى جانب حق الشعوب في التحرر من الاحتلال، وتحقيق العودة، وإنهاء كافة أشكال الاستعمار والاستيطان.
لقد حول إرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني المساعدات الإنسانية، التي يُفترض أن تُخصّص لإنقاذ الأرواح إلى أدة سياسية لابتزاز المقاومة الفلسطينية، ومحاولة خلق فجوة بينها وبين حاضنتها الشعبية. إنّ ربط إدخال الغذاء والدواء بشروط سياسية أو أمنية جريمة إضافية تُكرّس منطق الحصار، وتحوّل الاحتياجات الأساسية إلى أوراق ضغط تُستعمل لتبرير استمرار العدوان وتجويع الشعب الفلسطين،. والقضاء على سبل الحياة في القطاع المنكوب.
إننا نؤكد على واجب شعوب العالم الحرة ومسؤوليتها الأخلاقية برفع صوت أهل غزة في كل مكان، وإيصال معاناتهم إلى المنابر الدولية والإعلامية ومراكز التأثير. كما ندعو إلى تصعيد حملات المقاطعة الشاملة لكل الشركات والمؤسسات التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر، أو التي لا تزال حتى اليوم تحافظ على علاقات اقتصادية معه رغم الجرائم المتواصلة بحق المدنيين الفلسطينيين. إنّ المقاطعة الاقتصادية تمثّل أحد أنبل أشكال المقاومة المدنية، وهي مسؤولية فردية وجماعية لا تقبل التهاون أو التسويف.
ونحن على أعتاب عيد الأضحى المبارك، العيد الذي يُفترض أن تغمر فيه السكينة النفوس، ويُرسم فيه الفرح على وجوه الأطفال، لا يسعنا أن نحتفل وجراح غزة نازفة، وأطفالها يتضوّرون جوعًا تحت القصف والحصار. نُعلنها بوضوح: لا عيد بلا غزة. لن تدخل زينة العيد بيوتنا ما دامت المجازر مستمرة في كل أرجاء القطاع، ولن تشرق بهجة العيد على ملامحنا بينما أمهات غزة يُودّعن أبناءهن بصمت، وتُفتّش العائلات بين الأنقاض عن فتات يسدّ الرمق.
في كل تكبيرة عيد، نسمع صرخة طفل جائع، وفي كل تهنئة، نلمح دمعة أم مكلومة. كيف لقلوبنا أن تنبض بالفرح، وثوب العيد في غزة هو الكفن، وعيد الأضحى هناك ليس سوى مشهد آخر من التضحية والفقد؟ إنّ التضامن الحقيقي يبدأ من الشعور، ومن وعينا بأننا جسد واحد، تتقاسم أوصاله الألم كما كانت تتقاسم الفرح.
ننزل في العيد إلى الشارع لنطالب بما يلي:
دعم مطالب الشعب الفلسطيني بالتحرير والعودة، وحقه المشروع بالدفاع عن النفس حتى يرفع الظلم الواقع عليه.
نادي فلسطين العربي
فيينا، 4. يونيو 2025
وقف فوري للعدوان الصهيوني على قطاع غزة.
وقف الحصار و فتح المعابر الإنسانية فورًا ودون قيد أو شرط، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على اهلنا في غزة وعلى البنية التحتية
محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية، وفي مقدّمتهم الحكومة الإسرائيلية وكل من يدعمها في جرائمها.
نادي فلسطين العربي جمعية في فيينا تعنى بالشأن العربي وتنادي بوحدة المنطقة العربية وإزالة آثار الاستعمار