السبت , 12 سبتمبر 2026
arde

من “غزة الآن” إلى “المسار البديل” – إجراءات قمع عابرة للأطلسي

تشير التطورات الأخيرة إلى أساليب جديدة في ملاحقة العمل الفلسطيني في أوروبا، تقوم على تعاون أوروبي أمريكي  يقدم فيه الطرف الأول الملاحقة وجمع المعلومات اللازمة، ويدرج الثاني المستهدفين على قائمة الإرهاب الأمريكية، مسهّلا بذلك معاقبتهم في أوروبا وتجريمهم بطريقة تلتفّ على القوانين والإجراءات السارية في أوروبا، تستخدم فيها إجراءات وعقوبات تعسفية مصدرها بلد ثالث.

قوائم العقوبات الصادرة عن وزارة المالية الأمريكية وفقا للأمر التنفيذي ١٣٢٢٤ لمكافحة الإرهاب، الذي أصدره الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش في ستبمبر ٢٠٠١، تمكّن السلطات الأمريكية من  مجموعة من العقوبات والإجراءات ضد الأفراد والمؤسسات، ووضع اليد على أملاك كل من يتهم بالتعامل مع هذه المنظمات.

 في أوروبا يتعرض المستهدفون بالإجراء الأمريكي إلى سلسلة التعقيدات بدون أن يدانوا فعلا بتهمة جنائية، تشمل في الغالب فقدان الحساب المصرفي، وفقدان مصدر الرزق إذا كان مرتبطا بأية مؤسسة قد تتضرر من العقوبات الأمريكية، والتشهير بالشخص المعني وتصنيفه لدى السلطات التنفيذية الأوروبية خطرا. يحرم هذا المسار المستهدفين من إمكانية الدفاع القانوني في ما  يترتب عليه من إجراءات إدارية عقابية تمس  بأوراق اللجوء أو الإقامة، وصولا إلى المتابعة الاستخباراتية والمداهمات والاعتقال، ومن ثم المحاكمة على أرضية الفقرات الغامضة في قوانين مكافحة الإرهاب الوطنية، تسمح للسلطات التنفيذية بالإشارة إلى تقارير استخباراتية وأدلة سرية لا يتاح للدفاع القانوني تفنيدها.

قضية مصطفى عياش

واحدة من القضايا المعروفة قضية الصحفي والناشط الفلسطيني مصطفى عياش، مؤسس شبكة ”غزة الآن“، الذي أدرجته  وزارة المالية الأمريكية في مارس ٢٠٢٤ على قائمة العقوبات متهمة إياه بتمويل الإرهاب، بناء على ترويج موقعه لحملات جمع التبرعات لدعم أعمال الإغاثة في غزة. في أبريل ٢٠٢٤ تعرض عياش المقيم في النمسا لاقتحام وتفتيش منزلي ليلي، وحققت معه السلطات النمساوية لتخلي سبيله لعدم وجود أدلة، ليعتقل مجددا في أمستردام في أغسطس ٢٠٢٥ بناء على طلب قدمته النمسا إلى الإنتربول، وهو معتقل منذ ذلك الحين في النمسا بانتظار موعد المحكمة تهم تمويل الإرهاب والعضوية في منظمة محظورة. في الشق المالي من قضية عياش (تمويل الإرهاب) تتبنى السلطات النمساوية الادعاءات الأمريكية القائمة على تقارير أمنية ليس من الممكن الاطلاع عليها، أما في الشق السياسي (العضوية في عدة منظمات فلسطينية ولبنانية محظورة)، فيقوم على نشاطه الصحفي والإعلامي الذي تراه السلطات يخدم أغراض منظمة إرهابية. أما الاتهام بالعضوية فيقوم على فقرة غامضة في المادة رقم ٢٧٨ من قانون العقوبات النمساوي، تشمل في تعريف العضوية في منظمة إجرامية أو إرهابية، إلى جانب النشاط الفعلي في المنظمة أو تقديم خدمات مباشرة لها، عبارة ”أو أي طريقة أخرى“، التي تمنح السلطات التنفيذية هامشا عريضا لملاحقة من تستهدفهم.

حملة على منظمات اليسار

في ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ وضعت الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة المنظمات الإرهابية الدولية منظمات بالستاين أكشن المحظورة في بريطانيا لنشاطاتها الميدانية ضد شركات تطوير الأسلحة، ومنظمة المسار البديل الناشطة في أوروبا،وكذلك منظمة أوتستكي إنفنتاتي التي تقدم وسائل حاسوبية إلى الناشطين اليساريين حول العالم، حسب زعم الحكومة الأمريكية.

 وقد وصفت وزارة المالية الأمريكية في بيانها عن المنظمات الثلاث المسار البديل بأنه واجهة لشبكة ”صامدون“ للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين التي سبق أن أدرجتها الوزارة على قائمة العقوبات في أكتوبر ٢٠٢٤ معتبرة إياها واجهة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية منذ العام ١٩٩٧. وترى واشنطن أن المسار البديل وصامدون جزء من مشروع سياسي واحد، وتشتركان في آليات مشتركة لجمع الأموال وكذلك في وجود قياديين أعضاء في كلا المنظمتين، وقد سبق إدراج أسماء أربعة من منهم في القائمة باعتبارهم قياديين في ”صامدون“.

قضية زيد عبد الناصر

كما أعلنت السلطات الأمريكية إضافة كل من الفلسطينية روا الصغير، منسقة صامدون والمسار البديل في البرازيل، والناشط زيد عبد الناصر، وهو فلسطيني لاجئ في ألمانيا على قائمة الأشخاص المحظورين، معتبرة إياهما قياديين في منظمة المسار البديل .

وقد أشار زيد عبد الناصر في مقابلة مع موقع دروب سايت إلى أنه قد فوجئ بالقرار، حيث لم يتعرض لمساءلة  من أي طرف وأنه قد بلغه الخبر عبر وسائل الإعلام. كما عبر محاميه، ألكسندر غورسكي عن اعتقاده بأن القرار قد صدر بناء على تبادل للمعلومات بين السلطات الأمريكية والألمانية، مؤكدا أن موكله لم يرتكب أية جريمة ولا يواجه أية تهم جنائية، وأن الغرض من القرار استهداف نشاطه السياسي، وخاصة التضامن مع الأسرى الفلسطينين، في سياق حملة تشنها الحكومة الأمريكية على اليسار.

من جانب آخر يواجه عبد الناصر منذ صيف العام ٢٠٢٣ محاولة السلطات الألمانية سحب صفة اللاجئ السياسي منه، في مسار استخدمت فيه بدايةً حججا إجرائية بادعاء تقديمه بيانات غير صحيحة عن محل إقامته الأصلي، ثم تحولت فيه السلطات إلى اعتبار موقفه المعلن المؤيد للمقاومة الفلسطينية ونشاطه السياسي سببا لسحب صفة اللجوء، وقد تزامن موعد نظر المحكمة (الأربعاء ٢ سبتمبر) في اعتراضه على هذا الإجراء مع القرارات الأمريكية، في حين أجل النطق بالحكم إلى وسط سبتمبر بناء على الطعن الذي قدمه محاميه بحق القاضية، مشككا بحياديتها، لوصفها إياه بالجاني على الرغم من اعترافها بأنه لم يرتكب أي جريمة يعاقب عليها القانون.

أرضية إجرائية وسوابق قانونية لملاحقات أوسع

تشكل الحالات المذكورة أمثلة على التعاون العابر للمحيط، تقدم فيه السلطات الأوروبية المعلومات اللازمة لإعداد ملفات الإدانة، وتقدم فيه الولايات المتحدة إلى السلطات التنفيذية الأوروبية أرضية إجرائية تسهل عليها تجاوز المعايير والقوانين السارية في أوروبا لملاحقة العمل السياسي المنظم، بدءا بالفلسطينيين ووصولا إلى منظمات اليسار القاعدية وخصوم المنظومة الحاكمة في أوروبا. وإذا كانت التصنيفات الاتهامات الأمريكية لا تشكل مرجعا قانونيا لمحكمة أوروبية، فهي تخدم السلطات التنفيذية بصفتها مبررا للشروع بمراقبة وملاحقة المعنيين، وتعقيد حياتهم اليومية بقرارات وإجراءات تنفيذية إلى أن يحكم فيها القضاء بعد مدة زمنية طويلة. أما في القضايا الجنائية التي تقوم على محاولة تجريم الرأي أو التعبير السياسي باعتباره تمجيدا للإرهاب أو عضوية في منظمات محظورة، فتخدم التصنيفات والإجراءات الأمريكية بصفتها ”مؤشرات“ مكملة لادعاءات السلطة، التي تعمل جاهدة للتوصل إلى سوابق قانونية لضرب العمل الفلسطيني المنظم وتجريم ما يخدم أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية عملا أو قولا.

رابط إلى مقالة دروب سايت حول تجريم المنظمات الثلاث وزيد عبد الناصر

رابط إلى بيان وزارة المالية الأمريكية

رابط إلى تقرير بالألمانية عن جلسة محكمة زيد عبد الناصر

شاهد أيضاً

تظاهرة أمام الداخلية النمساوية رفضاً لإجراءات بحق ناشطين فلسطينيين وتصاعد القمع 

نشر هذا التقرير على موقع “بوابة اللاجئين” بتاريخ 15 أب/أغسطس 2026، ونعيد نشره هنا للتوثيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *