الثلاثاء , 27 أكتوبر 2026
arde

العنصرية ضدالمسلمين امتداد للاسامية الأوروبية

تقرير عن ندوة ائتلاف اليسار “لينكس” حول العنصرية ضد المسلمين في النمسا

في ٨ أكتوبر ٢٠٢٦ عقد ائتلاف اليسار (لينكس) النمساوي في مقره بحي فيينا الخامس ندوة حوارية بعنوان ”العنصرية ضد المسلمين“، وقد أتت الندوة في سياق دخول قانون منع حجاب القاصرات في المدارس النمساوية حيز التنفيذ مع مطلع العام الدراسي، وهو قانون يقضي بمنع التلميذات المسلمات دون سن الرابعة عشرة من ارتداء الحجاب الإسلامي، بطائلة فرض غرامات على أولياء الأمور في حال عدم الالتزام بالمنع. وقد أثار القانون احتجاجات وإضراب مدرسي وجدل عام يتناول حرية المعتقد وحق الدولة في التدخل في تربية الطفل، وتعريف الاتدماج، والتمييز ضد المواطنين والمقيمين المسلمين في هذه الشؤون.

تحدث في الندوة دنيا خليل، وهي مستشارة حقوقية ومديرة لمركز توثيق الإسلاموفوبيا في النمسا، وماليكا ماتاييفا، وهي خبيرة في الأمن الرقمي وعضو في شبكة النساء المسلمات في أوروبا، وسارة معيري، وهي معلمة وناشطة في مبادرة ”المدرسة تحترق“ الحقوقية المناهضة للتمييز، والباحث الاكاديمي فريد حافظ، أستاذ علم الاجتماع في جامع ليمريك في إيرلندا. وقد أثارت دعوة تحالف اليسار إلى هذه الندوة جدلا في الوسط السياسي داخل تحالف اليسار نفسه، اتهمت بعض أطرافه المنظمين بالتهوين مما وصف بخطر الإسلام السياسي وتأييد فرض الحجاب على القاصرات، مما يشير إلى حدة الجدل العام الذي تشهده النمسا في هذا السياق.

تعريف العنصرية ضد المسلمين

في إجابته على سؤال المضيف حول مدى دقة مفهوم ”العنصرية“

Racism

في وصف التمييز ضد المسلمين، إذ لا يعدّ المسلمون عرقا أو عنصرا قوميا، أشار فريد حافظ إلى ان الأمر لا يتعلق بالعنصرية العرقية البيولوجية، منوها إلى خصوصية في اللغة الألمانية تسحب المصطلح إلى ذلك المجال، ونوه إلى أنه يفضل استخدام مصطلح ”الإسلاموفوبيا“، الذي يدل على ذات المفهوم. أشار حافظ إلى أن العنصرية الأوروبية شهدت تحولات مهمة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ حل ما يمكن تعريفه بالشوفينية الثقافية محل العنصرية البيولوجية، أما مصطلح العرق

”Rasse, Race“

فيرجع إلى السياق الإسباني في القرن الثالث عشر ويربط الدم بالدين المسيحي، ويهدف إلى إقامة حلف مشترك مسيحي أوروبي ضد المسلمين، أي أن لهذا المصطلح تاريخ طويل في أوروبا في سياق معاد للمسلمين، يعتبرهم شكلا أدنى من أشكال الحياة الإنسانية يتوجب تمييزه ومراقبته والسيطرة عليه، وفي هذا السياق ينبغي فهم خطاب الحكومة الحالي حول منع الحجاب وتوجهها نحو إصدار قانون لمنع ما تصفه بالإسلام السياسي.

كما أشار حافظ إلى كون المنادين بمنع الحجاب يشتركون في الخلفيات القمعية ويلتقون في الممارسات السلطوية، وهي ممارسات عرفها العالم الإسلامي لدى بعض الأنظمة العلمانية السلطوية مثل تركيا وتونس، قبل أن تصل إلى أوروبا.

ينبه فريد حافظ إلى تحول العنصرية ضد المسلمين إلى قوة مهيمنة في أوروبا ستحارب المسلمين المعتدلين أيضا، مشيرا إلى تصويت كل الأحزاب البرلمانية في النمسا  لصالح قانون منع الحجاب. ويرى فريد أن هذه البنية تتيح ملاحقة مخالفي المنظومة الحاكمة باعتبارهم إسلاميين، ويعطي فريد مثالا على ذلك الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا المتخصص في الإسلام السياسي، الذي يواجه بسبب تعريفه الدقيق للإسلام السياسي بوصفه قوة سياسية واقعية، تحقيقا بتهمة دعم الإرهاب لا يقيم اعتبارا لمكانته الأكاديمية.

حظر ومكافحة الإسلام السياسي

وفي تعليقه على توجه الحكومة النمساوية إلى إصدار قانون يحظر الإسلام السياسي، أشار فريد حافظ إلى أنه ينبغي أولا تعريف الإسلام السياسي، إذ لا يتعامل خطاب الحكومة النمساوية مع الإسلام السياسي بصفته قوى سياسية واقعية تستند معياريا إلى الإسلام وتمارس السياسة بطرق مختلفة، أو يتناول ذلك بسطحية شديدة، ونوه إلى أن حزب الشعب النمساوي (ديمقراطي مسيحي) هو من أسس منهجيا لهذه السياسات، مستعملا شعار مكافحة الإسلام السياسي في إجراءت تمس بالحقوق الأساسية، مثل منع الحجاب، وإغلاق مساجد يعتبرها متطرفة، أو اتخاذ إجراءات أمنية لمنع الاحتجاجات وضرب التجمعات، وهي إجراءات تمس في الحقيقة الإسلام المرئي، وتدفع نحو نوع من التطويع الذاتي لدى المسلمين ومنع انتظامهم بصورة مستقلة عن البنى الحكومية، وهذا لا ينفصل عن توجه الحزب السلطوي في التموضع ضد كل صور النقد تجاه الدولة، وفي الدفاع عن مصالح وسلطة المجموعة الحاكمة.

أشار حافظ إلى أن البرلمان الأوروبي قد وافق اليوم (تاريخ عقد الندوة) بأغلبية أكثر من ٣٠٠ صوت على مشروع قانون قدمه تحالف الأحزاب الديمقراطية المسيحية يدين منظمات حقوقية إسلامية ويقضي بقطع التمويل عنها، من بينها منظمة النساء الأوروبيات، وهي منظمة مناهضة للعنصرية، ومنظمات حقوقية أخرى ليست إسلامية بالضرورة، بدعوى أنها مساندة للإخوان المسلمين.

يرى حافظ في الخطاب السائد والإجراءات المرافقة ثورة يمينية محافظة ترمي إلى تصفية مكتسبات الحركة التقدمية التي تحققت في السبعينيات، وإلى تكريس هيمنة الرجل الأبيض وتذويب المسلمين قسريا. وأشار حافظ إلى نص البيان الذي جاء فيه أن أتباع الإخوان المسلمين يكذبون ويضللون طوال الوقت، ولذلك لا يجب تصديق ادعاءاتهم، في إدانة مسبقة لكل من يعارض هذه السياسة ويشكك في مصداقية خطابها، معتبرة إياه طرفا في مؤامرة، مسلما كان أو غير مسلم.

يقتبس حافظ مقولة المفكر الفرنسي سارتر ” لو لم يوجد اليهودي لخلقه اللاسامي“، في إشارة إلى الرابط البنيوي بين تمييز المسلمين واللاسامية، إذ تكمن أصول هذا الخطاب في في الخطاب اللاسامي في النصف الأول من القرن العشرين، الذي كان يدعى أن اليهود يتآمرون ويضللون ويختلقون الأكاذيب للسيطرة على العالم، ويوازي بين بعبع ”اليهودية البلشفية“ المختلق آنذاك، وبعبع ”اليسار الإسلاموي“ اليوم.

كما أسس ما يعرف بالحرب على الإرهاب للممارسات الدول في مختلف أنحاء العالم، إذ أصبحت اليوم لا تلاحق العنف فحسب، بل والأفكار أيضا، وقد فرضت على كل الدول مشاريع لمكافحة التطرف، واليوم تتوسع هذه النشاطات لتتخذ طابع عنصرة الإسلام نفسه، لتقود إلى اعتبار ممارسات دينية جزءا من البنى المتطرفة، وبالتالي تجريمها. 

من جانبها أشارت سارة معيري إلى أن أزمة الغرب هي أزمة الإمبريالية عموما، ولا يمكن مناقشتها بدون التطرق إلى حرب الإبادة في فلسطين وما رافقها من قمع للتضامن مع الفلسطينيين هنا، إذ لعبت فيه العنصرية ضد المسلمين دورا مهما، في سياسة متكاملة مضمونها العسكرة نحو الخارج والقمع نحو الداخل، الذي يرمي إلى إلى ضرب أشكال التنظيم الذاتي والقوى الناقدة لسياسة الدولة. في هذا السياق نوهت معيري أيضا إلى أمثلة على سحب صفة اللاجئ السياسي عن أفراد على خلفية نشاطهم السياسي المتعلق بفلسطين،

صعوبة التوثيق الإحصائي لانتفاء الاهتمام الرسمي

من جانبها أشارت دنيا خليل إلى صعوبة وضع إحصائيات شاملة للأعمال العنصرية ضد المسلمين في النمسا، لعدم وجود بيانات إحصائية كاملة في ظل غياب المتابعة المؤسساتية وعدم وجود طرف رسمي معني بتمويلها. وأشارت خليل إلى الدراسة التي أصدرتها مؤسسة

FRA

بعنوان

Being Moslem in the EU،

التي جاء في نتائحها أن النمسا تحتل موقعا متقدما في أوروبا من حيث العنصرية ضد المسلمين إذ تبلغ ال٦٠٪، ونسب عالية أيضا في ما يتعلق بعسف الشرطة. أشارت خليل أيضا إلى أن مؤسستها تعمل اليوم بدون تمويل وعلى أرضية تطوعية، وتوثق الدراسة ازدياد التعديات العنصرية ضد المسلمين، وترصد حالات من الحياة اليومية بدءا من حضانات الأطفال، ومرورا إلى التعامل مع السلطات، وصولا إلى الإهانات في الفضاء العام ومشاكل العمل، في حين تشكل النساء المحجبات مساحة الهجوم الأكبر ويتلقين الجزء الأكبر من الأعمل العدائية لكونهن مسلمات مرئيات.

تشير خليل إلى أن معظم المواقف العنصرية التي رصدتها المؤسسة لا تقوم على التجارب الذاتية، بل على صور نمطية يروج لها الإعلام السائد وسط غياب حوار مجتمعي حقيقي، فاليمين يحصل على أعلى نسب التصويت في الأماكن ذات نسب المسلمين الأقل. وفي سياق عنصرية الأجهزة الأمنية ضد المسلمين أشارت خليل إلى أن التجاوزات ضد المسلمين تشكل جزا مهما من تجاوزات الشرطة، مشيرة إلى صعوبة مساءلة الشرطة عن هذه التجاوزات، فمن بين ١٤٠٠ حالة تجاوز شرطية موثقة لم يبلغ القضاء إلا حالات سبع، لم تحصل فيها إلا إدانة واحدة.

ردود الفعل على قانون منع الحجاب

ترى المعلمة سارة معيري ممثلة مبادرة ”المدرسة تحترق“ ادعاءات الحكومة النمساوية محض عنصرية منفلتة العقال يواجهها التلاميذ المسلمون في المدرسة وخارجها، وكما لا تساءل الشرطة عن تجاوزاتها، لا يساءل أعضاء الطاقم التعليمي عن تجاوزاتهم ضد التلاميذ، وقد وثقت مبادرة المعلمين التي تمثلها سلسلة من التجاوزات العنصرية من طرف معلمين ومديرين ضد التلاميذ وتهديدات لهم ولأولياء الأمور بالترحيل من البلد، وأشارت إلى عدة حالات استثنيت فيها التلميذات المحجبات من صور الصف الجماعية، في ما يوحي بتوجه إلى إخراج المحجبات وعزلهم منهجيا. تتساءل معيري عن غرض الحكومة من هذا الخطاب وتلك الإجراءات، وترى أن التحليل القائم على رغبة الأحزاب الحاكمة بمنع انتقال أصوات الناخبين إلى اليمين غير كاف، فالخطاب الحالي يعمق التمييز ضد المسلمين ويطبّعه، ويختلق في تشجنه ضد ما يدعوه ”الأسلمة“ خطرا غير عقلاني، يراد به الإلهاء عن مشاكل حقيقية في قطاع التعليم وغيره من القطاعات.

ترى معيري أن اصطناع الحجاب رمزا للسلطة الأبوية لا يختلف في جوهره عن الخطاب الاستعماري التقليدي الذي يدعي تحرير المرأة، وتشير إلى أثر هذا الخطاب على التلاميذ المسلمين الذكور الذين يصنفهم بالمجمل كشرطة أخلاق تلاحق البنات، ويعاملهم كبالغين ويدينهم اجتماعيا، ومثل ذلك مع العائلات التي تعترض على تطبيق القانون وتوصف بأنها عائلات غير متعاونة. وترى أن ذلك يعيد إنتاج الكود العنصري المألوف، وطبيعة المدرسة نفسها بصفتها مؤسسة سلطوية عنصرية وطبقية، كما أشارت معيري إلى الفرز في حي فيينا العاشر الذي يضم تجمعات المهاجرين الأكبر، وحيث توجد مدارس مخصصة منهجيا لأغلبية من أبناء البيض، وأخرى لأبناء المهاجرين.

 في مداخلتها قدمت ماليكا ماتاييفا مزيدا من الأمثلة على حالات القمع والتجاوزات التي تعرضت إليها التلميذات وأهلهن في الأسبوع الأول من تطبيق القانون، من إخراج للبنات من الصفوف وحبسهن في غرف منعزلة تحت المراقبة، إلى الزجز والضغط النفسي ودفعهن إلى البكاء، وتخويفهن بالشرطة، وأشارت إلى حالة حبست فيها التلميذات في مرحاض المدرسة ومنعن من الخروج قبل نزع الحجاب، وخلصت إلى أن التلميذات المسلمات عوملن كمجرمات، وتعرض بعضهن لحالات صدمة نفسية موثقة طبيا، كما أن جزءا من التلميذات يرتدين الحجاب بإرادتهن ويرفضن نزعه حتى ولو وافق الأهل على تطبيق قانون المنع، ويشعرن بالغبن لعدم وجود من يستمع إليهن. ترى ماتاييفا أن الحكومة، لبعدها عن حياة التلميذات الواقعية، تعامى عن نتائج قانونها العملية وما يترتب على فرضه، ولم يفكر أحد من السياسيين في طريقة تنفيذ القانون، وسط سردية تعمّم أن البنات يجبرن على ارتداء الحجاب، وخطاب تحريضي صار يؤدي إلى تعرض النساء المحجبات إلى اعتداءات في الشوارع. تخلص ماليكا إلى ان المشترك بين نضال النساء في إيران من أجل حق نزع الحجاب ونضالها في تركيا وأذربيجان واليوم في أوروبا من أجل حق ارتدائه، هو إرادتهن أن يقررن بأنفسهن لأنفسهن.

مقاومة قانون منع الحجاب

أشارت معيري إلى إضراب المدارس المزمع الذي ستشارك فيه منظمات شبابية من مشارب متنوعة، وبخروج الاحتجاجات في مختلف أنحاء النمسا حيث ضمت قطاعات واسعة تجاوزت المتضررين المباشرين، وشكّلت لجان إضراب مدرسية، ونوهوت معيري إلى الحاجة الماسة إلى بنى تنظيمية وتضامنية في ظل موقف نقابة المعلمين الرسمية السلبي، وإلى ضرورة تشكيل لجان للدعم ولمرافقة الأهالي في التعامل مع المدارس والسلطات.

شاهد أيضاً

من “غزة الآن” إلى “المسار البديل” – إجراءات قمع عابرة للأطلسي

تشير التطورات الأخيرة إلى أساليب جديدة في ملاحقة العمل الفلسطيني في أوروبا، تقوم على تعاون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *